السيد كمال الحيدري

80

معرفة الله

كمقدّمة شريفة تشير للعارف بها إلى المقصد الأوّل وتُنجّز عليه ضرورة الانفتاح على حاضرة الحقيقة ومخر عُباب بحورها بأشرعة اليقين ، فإنّ الوقوف على سواحلها لا يُضفي صفة المعرفة الحقّة البتّة . بل إنّ العلوم الحصولية البرهانية يمكن أن تؤدّي دوراً أكبر من ذلك ، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله : « ويثيروا لهم دفائن العقول » « 1 » ، فإنّ الأنبياء عليهم السلام من خلال عرض أدلّتهم وبراهينهم على دعواهم كانوا يثيرون ما هو كامن في العقل ، والعقل هنا يمكن تقسيمه إلى قسمين هما : 1 عقل بسيط ، وهو الفطرة نفسها . 2 عقل مركّب ، وهو العقل المُستدلّ ( الاستدلالي الكسبي ) . وعليه فالأدلّة والبراهين الحصولية يمكن أن تقوم بدور الإثارة هذه ، فيكون خلاصة دورها في المقام إثارة دفائن الفطرة بعدما علمنا أنّ العقل البسيط هو الفطرة . ولكن إشارية العلوم الحصولية البرهانية ومنجّزيتها وإثارتها للدفائن رهن باقترانها بالعمل بها ، وإلّا فإنّ خلوّها من العمل بها موجب لارتحالها ، « . . . العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلّا ارتحل عنه » « 2 » ، وإن لم يرتحل فإنّه يكون وبالًا على صاحبه ولا يزيده من الله تعالى إلّا بُعداً « 3 » ، ومن أبرز مصاديق العمل الإيمان بما عُلِم ، فإنّ العلم بالشيء قد يجتمع مع الجحود به ،

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الخطبة الأولى . ( 2 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 44 ح 2 . ( 3 ) انظر المصدر السابق : ج 1 ص 44 ، باب استعمال العلم .